ابن ميمون

224

دلالة الحائرين

طريق خامس « 2181 » زعم بعض المتأخرين أنه وجد طريقا برهانيا على التوحيد وهو الافتقار . وبيانه هكذا قال : إن كانت / هذه الموجودات يستقلّ بفعلها الواحد ، فالثاني فضل لا يحتاج إليه ، وإن كان لا يتمّ هذا الوجود ولا ينتظم إلا باثنيهما معا . فكل واحد منهما يصحبه عجز لافتقاره للآخر ، فليس هو مستغنيا بذاته وهذا إنما هو فرع من التمانع ، ويعترض هذا النحو من الاستدلال بأن يقال ليس كل من لا يفعل ما ليس في جوهره أن يفعله يسمّى عاجزا لأنا لا نقول : إن شخص الانسان « 2182 » ضعيف لكونه لا يحرك ألف قنطار ولا ننسب للّه تعالى عجزا لكونه لا يقدر أن يجسم ذاته أو يخلق مثله أو يخلق مربعا ضلعه مساو « 2183 » لقطره ، كذلك لا نقول : إنه عاجز لكونه لا يخلق وحده . إذ وجوب وجودهما أن يكونا اثنين ولا يكون هذا افتقارا ، بل ضرورة وخلافه الممتنع كما لا نقول : إن اللّه عز وجل عاجز لكونه لا يقدر أن يوجد جسما إلا بخلق جواهر أفراد وجمعها بأعراض يخلق فيها على رأيهم ولا نسمّى هذا افتقارا ولا عجز الآن خلاف هذا ممتنع ، كذلك يقول المشرك « 2184 » ممتنع ان يفعل الواحد وحده ، وليس ذلك عجزا في حق واحد منهما . إذ وجودهما الواجب ان يكونا اثنين وقد أعيت الحيل لبعضهم حتى قال : ان التوحيد مقبول شرعا وشنعوا المتكلمون ذلك / جدا وازدروا بقائله . أما انا فأرى أن قائل هذا ، منهم رجل مسدّد الذهن جدا بعيد من قبول المغالطة ، فإنه لما لم يسمع من أقاويلهم شيئا هو برهان بالحقيقة ، ووجد نفسه لم تسكن لما زعموا أنه برهان قال إن هذا شيء يؤخذ مقبولا من الشرع لأن هؤلاء الأقوام لم يتركوا للوجود طبيعة مستقرّة بوجه يستدلّ منها استدلالا صحيحا ولا تركوا للعقل فطرة مستقيمة نتج بها نتائج صحيحة ، كل ذلك فعل بالقصد حتى نفرض وجودا نبرهن « 2185 » به ما لا يتبرهن ، فأوجب ذلك أن قصرنا عن برهان ما يتبرهن ، فلا شكيّة « 2186 » الا للّه ولذوي الإنصاف من أهل العقل .

--> ( 2181 ) خامس : ت ، خامسة : ج ( 2182 ) انسان : ت ، الانسان : ن ( 2183 ) مساو ت ، مساويا : ن ، مستويا : ى ( 2184 ) المشرك : ت ، المشكك : ج ( 2185 ) نبرهن : ت ، نتبرهن : ن ( 2186 ) شكية : ت ، شكوه : ن ، شكياه : ى